فصل: الشاهد السابع بعد الثمانمائة(br)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: خزانة الأدب وغاية الأرب ***


الشاهد السادس بعد الثمانمائة

فإن أهلك فذي حنق لظاه *** علي تكاد تلتهب التهابا

على أن رب المحذوفة بعد الفاء، تعمل الجر في الشعر‏.‏ وذي حنق مجرور بها‏.‏

قال ابن جني في إعراب الحماسة‏:‏ ذي مجرورة برب، أي‏:‏ فرب ذي حنق‏.‏ وحذفها للعلم بموضعها، كقول الآخر‏:‏

رسم دار وقفت في طلله *** كدت أقضي الحياة من جلله

أي‏:‏ ورب رسم دار‏.‏ وهذا يدفع قول أبي العباس إن الواو في نحو قوله‏:‏

وبلد تحسبه مكسوحاً

هي التي جرت بلداً، لما خلفت رب فكانت عوضاً‏.‏

ألا ترى أنه قال‏:‏ فذي حنق، أي‏:‏ فرب ذي حنق‏.‏ ولا يقول أحد إن الفاء عوض من رب‏.‏

وقول الآخر‏:‏

بل بلد ملء الفجاج قتمه

ولا يدعي أحد أن بل عوض من رب‏.‏ فإذا صح هذا وثبت في الفاء وبل، كانت الواو محمولة على حكمه‏.‏ انتهى‏.‏

ورواية بيت جميل بالخزم، وهو زيادة الواو في أوله هنا، رواية غير مشهورة، وبها يخرج البيت عن الوزن‏.‏

ولظاه‏:‏ مبتدأ، والهاء ضمير ذي حنق‏.‏ وجملة‏:‏ تكاد تلتهب خبره، وكل منهما مسند إلى ضمير مؤنث يعود إلى اللظى، فهما بالمثناة الفوقية‏.‏ وجوز الشمني بالمثناة التحتية مسندين إلى ضمير مذكر يعود إلى اللظى، لاكتسابه التذكير من الضمير المضاف إليه‏.‏

وعلي متعلق بتلتهب، وقيل‏:‏ متعلق بلظاه، لما فيه من معنى الاشتداد والتوقد‏.‏ وفيه نظر، لأن المعنى ليس عليه‏.‏ واللظى‏:‏ النار، استعيرت للحنق بفتح المهملة والنون، وهو الغيظ، وقيل‏:‏ شدته‏.‏ وهلك جاء من بابي ضرب وعلم‏.‏

وذو بمعنى صاحب، والفاء معها للربط للجواب بالشرط، فإنها تجب مع كل جواب لا يصح وقوعه شرطاً، والجواب هنا في الحقيقة هو جواب رب، وهو مخضت أول البيت الآتي‏.‏ وإنما قدمت رب عليه لأن لها الصدر، ورب تحذف بعد الفاء مطلقاً سواء كانت فاء الجواب كما هنا، وعاطفة كما في قول امرئ القيس‏:‏

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع *** فألهيتها عن ذي تمائم محول

قال ابن هشام في بحث الفاء من المغني‏:‏ السادسة، أي‏:‏ من المسائل التي تكون فيها الفاء رابطة للجواب حيث لا يصح أن يقع شرطاً‏:‏ أن يقترن بحرف له الصدر، كقوله‏:‏

فإن أهلك فذي حنق البيت

لما عرفت من أن رب مقدرة، وأنها لها الصدر‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ لها الصدر جواب سؤال مقدر، وهو أن جواب الشرط في مثل هذا إنما هو جواب رب، وهو فعل ماض يجب معه ترك الفاء، فكيف وجبت الفاء‏؟‏ أجاب بأن رب لما وجب تقديمها على جوابها لصدارتها، كانت في الظاهر هي الواقعة جواب الشرط، وهي لا تصح أن تقع شرطاً، فوجب أن تقترن بالفاء وفاء بمقتضى الضابط‏.‏

ولم أر أحداً من شراح المغني بين معنى قوله‏:‏ وأنها لها الصدر‏.‏

وقال الإمام المرزوقي في شرح الحماسة، وتبعه جميع شراحها‏:‏ فإن قيل‏:‏ إن الفاء في جواب الجزاء، إنما تجيء إذا خالف الجملة التي تكون جزاء، الجملة التي تكون شرطاً، بأن تكون مبتدأ وخبراً، فكيف يكون تقديرهما بعد الفاء ها هنا‏؟‏ قلت‏:‏ يكون التقدير‏:‏ إن أهلك فالأمر والشأن‏:‏ رب ذي حنق بهذه الصفة فعلت به كذا‏.‏ فقوله‏:‏ رب ذي حنق خبر المبتدأ الذي أظهرناه‏.‏ انتهى‏.‏

وفيه نظر من وجهين‏:‏ الأول‏:‏ لا ينحصر وجوب اقتران الفاء بالجملة الاسمية الواقعة جواباً لشرط، بل الحصر في ست صور، كما بينها صاحب المغني‏.‏

الثاني‏:‏ أن رب لها الصدر، لا تقع خبر مبتدأ أبداً، إذ العامل في الخبر هو المبتدأ، ولم يسمع تقدم عامل لها عليها‏.‏ على أن قوله هذا لا يصح مع قوله‏:‏ إن مخضت في البيت الآتي جواب رب‏.‏ فتأمل‏.‏

والعجب من السيوطي حيث تبعه في شرح أبيات المغني، فقال‏:‏ قوله‏:‏ فذي حنق‏.‏‏.‏‏.‏إلخ جواب الجزاء، والتقدير‏:‏ إن أهلك فالأمر والشأن رب ذي حنق‏.‏

وهذا البيت من أبيات ثمانية لربيعة بن مقروم الضبي، أوردها أبو تمام في الحماسة، وهي‏:‏

أخوك أخوك من يدنو وترجو *** مودته وإن دعي استجابا

إذا حاربت حرب من تعادي *** وزاد سلاحه منك اقترابا

وكنت إذا قريني جاذبته *** حبالي مات وتبع الجذابا

فإن أهلك فذي حنق ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏البيت

مخضت بدلوه حتى تحسى *** ذنوب الشر ملأى وقرابا

بمثلي فاشهد النجوى وعالن *** بي الأعداء والقوم الغضابا

فإن الموعدي يرون دوني *** أسود خفية الغلب الرقابا

كأن على سواعدهن ورس *** علا لون الأشاجع وخضابا

قوله‏:‏ أخوك أخوك من تدنو‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، قال المرزوقي‏:‏ أخوك مبتدأ، وكرر تأكيداً، ومن يدنو خبره‏.‏

والمعنى‏:‏ مخالصك في الأخوة والود من يقرب مكانه منك، وتحسن شفقته منك، وإن استغثت به لملمة، أغاثك‏.‏ ويجوز أن يكون من يدنو، أراد به قرب النصح والشفقة، لا تقارب الدار‏.‏

وقال ابن جني‏:‏ لك في أخوك الثاني أن تجعله بدلاً، وأن تجعله خبر الأول، إنما يستحق أن تدعو الرجل أخاك، إذا كان أخاك في الحقيقة، كقولك‏:‏ فعلته، إذ الناس ناس، ثم أبدل منه من يدنو‏.‏ انتهى‏.‏

وقال التبريزي‏:‏ ويجوز أن يجعل أخوك الثاني خبراً للأول، كقوله‏:‏

فقلت له تجنب كل شيء *** يعاب عليك إن الحر حر

وأما قول الآخر‏:‏

سلام هي الدنيا قروض وإنم *** أخوك أخوك المرتجى في الشدائد

فهو مثل الأول‏.‏

وإن شئت جعلت قوله‏:‏ أخوك الثاني توكيداً، وجعلت المرتجى خبراً‏.‏ وإن شئت جعلت قوله‏:‏ أخوك خبراً، والمرتجى نعتاً له، ويكون قوله‏:‏ من يدنو من البيان الداخل في صفته، بدلاً من قوله‏:‏ أخوك الثاني‏.‏ فهذا المعنى يحتمل أن يكون حثاً على إكرام الغريب، إذا نصح وأخلص، كما قال الأعشى‏:‏

فإن القريب من يقرب نفسه *** لعمر أبيك الخير لا من تنسبا

ويجوز أن يكون وصاة بالأخ المناسب، وإخباراً أن المؤاخي بغير النسب لا ينتفع بإخائه‏.‏ هذا كلامه‏.‏

وقوله‏:‏ إذا حاربت‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، قال المرزوقي‏:‏ يجوز أن يكون هذا متصلاً بما قبله، والضمير في حارب لأخوك، ومن تعادي مفعول حاربت‏.‏

والمعنى إذا حاربت من تعادي حارب هذا المؤاخي لك معك، وزاد نصرته وعدته منك قرباً، ما دمت محارباً‏.‏

ويجوز أن يكون منقطعاً مما قبله، ويكون مثلاً مضروباً، فيقول‏:‏ إذا كاشفت عدوك بعثه ذلك على مكاشفتك، وازداد عدته من الكيد وغيره منك دنواً‏.‏ وإذا جاملته وداجيته بقي على ما ينطوي عليه مساتراً لا مجاهراً‏.‏

وزاد التبريزي‏:‏ أراد أنك إذا حاربت، قرب منك، ومعه سلاحه، ليعينك‏.‏ فذكر قرب السلاح، ليدل على أنه أراد إعانته على عدوه‏.‏ ولو ذكر أنه يقرب نفسه منه، لم يدل على ذلك، لأنه يجوز أن يقرب منه، ولا يعينه‏.‏

وقوله‏:‏ وكنت إذا قريني‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، يقول‏:‏ إذا جاذبني قرين لي حبلاً بيني وبينه، فإما أن ينقطع دون شأوي إلى الجذاب فيهلك، وإما أن يتبع صاغراً فينقاد‏.‏

وقوله‏:‏ فإن أهلك‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، هذا الكلام تسل عن العيش بعد قضاء حاجته، وإدراك ثأره؛ ولولا ما تسهل له من ذلك لكان لا يسهل عليه انقطاع العمر، ولو مات لمات بغصة‏.‏

فيقول‏:‏ إن أمت فرب رجل ذي غيظ وغضب، تكاد نار عداوته تتوقد توقداً، أنا فعلت به كذا‏.‏

وقوله‏:‏ مخضت بدلوه‏.‏‏.‏‏.‏إله، هذا جواب رب، يقول‏:‏ رب إنسان هكذا أنا حركت بدلوه التي أدلاها في الأمر الذي خضنا فيه حتى ملأتها‏.‏ وجعل الدلو كناية عن السبب الذي جاذبه فيه، والطمع الذي جرأه عليه‏.‏

قال‏:‏ فتحسى دلو الشر مملوءة، وقريبة من الامتلاء‏.‏ وقراب الملء‏:‏ أن يقارب الامتلاء‏.‏ ويقال‏:‏ قراب، بكسر القاف وضمها‏.‏

والمعنى‏:‏ جعلت شربه من الشر شرباً مروياً‏.‏ فكأن المراد أن هذا المعادي الممتلئ غيظاً، لما ألقى دلوه، يستقي بها الماء من بئري، ملأتها شراً، وجعلته سقياه‏.‏

والمخض، بالخاء والضاد المعجمتين‏:‏ تحريك الدلو في البئر ليمتلئ‏.‏ والذنوب‏:‏ الدلو التي يكون لها ذنب، وهي هنا مثل‏:‏ يقول‏:‏ جنيت عليه الشر حتى مله‏.‏

وقوله‏:‏ بمثلي‏.‏‏.‏‏.‏هذا البيت، وما بعده لم يقع في أصل المرزوقي حتى يشرحه، أي‏:‏ جاهر بمثلي الأعداء، وكاشفهم، ليكفوا عنك، فمثلي يصلح لدفع المكاره‏.‏

وقوله‏:‏ فإن الموعدي‏.‏‏.‏‏.‏ قال التبريزي‏:‏ يريد الغلب رقابا، وانتصابه على التشبيه بالضارب الرجل‏.‏

وقوله‏:‏ كأن على سواعدهن، أي‏:‏ كأن على سواعد هذا الأسود الورس والخضاب، من كثرة ما افترست الفرائس‏.‏ والأشاجع‏:‏ عروق ظاهر الكف، والواحد أشجع‏.‏

وربيعة بن مقروم‏:‏ شاعر مخضرم، تقدمت ترجمته في الشاهد الرابع والأربعين بعد الستمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد السابع بعد الثمانمائة

بل بلد ذي صعد وأصباب

على أن رب المحذوفة بعد بل، تعمل الجر في الشعر‏.‏

والبلد‏:‏ القفر‏.‏ والصعد، بضمتين‏:‏ جمع صعود بفتح أوله، وهو المرتفع من الأرض، خلاف الهبوط‏.‏ والأصباب، بفتح الهمزة‏:‏ جمع صبب بفتحتين، وهو ما انحدر من الأرض‏.‏

والبيت من ارجوزة طويلة لرؤبة بن العجاج، ذكر في أولها أن امرأته لامته على كبره وعجزه، لكثرة أسفاره، ومدح نفسه بأشياء‏:‏ منها انه لا يسفه على الناس، ولا يحقد عليهم‏.‏

إلى أن قال‏:‏

سيعرفون الحق عند الميجاب *** دعهم سيلقون أعد الحساب

والأمر يقضى في الشقا للخياب *** بل بلد ذي صعد وأصباب

قطعت أخشاه بعسف جواب *** بكل وجناء وناج هرجاب

والميجاب، بالجيم‏:‏ الميعاد الذي وجب لهم‏.‏ وأعد‏:‏ أفعل تفضيل‏.‏ والحساب‏:‏ جمع حاسب‏.‏ والشقاء‏:‏ خلاف السعادة‏.‏ والخياب، بالضم‏:‏ جمع خائب، وهو الخاسر‏.‏

وقوله‏:‏ بل بلد‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، بل هنا‏:‏ للإضراب والانتقال، وهذا يشبه الاقتضاب، وهو انتقال من كلام إلى آخر من غير مناسبة، وليست بل هنا عاطفة، كما زعم الشارح‏.‏

ثم وصف البلد بصعوبة المسالك، وكثرة المهاوي والمهالك، في تسعة أبيات إلى أن قال‏:‏ قطعت أخشاه‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، من قطع الطريق، بمعنى سلكه وتجاوزه وهو جواب رب‏.‏

وأخشاه‏:‏ أهوله وأخوفه، وهو أفعل تفضيل، والضمير راجع للبلد، والباء في قوله‏:‏ بعسف متعلقة بقطعت، وهو مضاف إلى جواب‏.‏

والعسف‏:‏ سلوك الأرض على غير الجادة‏.‏ والجواب‏:‏ مبالغة جائب، من جاب الأرض يجوبها جوباً، إذا قطعها، أراد به البعير‏.‏

وقوله‏:‏ بكل وجناء‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، بدل من قوله بعسف جواب‏.‏ والوجناء‏:‏ الناقة الشديدة‏.‏ وناج‏:‏ اسم فاعل من نجا ينجو نجاء، إذا أسرع‏.‏ والناجية‏:‏ الناقة السريعة، تنجو بمن ركبها، والبعير ناج‏.‏ والهرجاب، بالكسر والجيم‏:‏ البعير الطويل الضخم، وكذلك الناقة‏.‏

وترجمة رؤبة تقدمت في الشاهد الخامس من أول الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثامن بعد الثمانمائة

وليلة نحس يصطلي القوس ربه *** وأقطعه اللاتي بها يتنبل

على أن واو رب إن كانت في أثناء القصيدة، فهي للعطف على سابق كهذا البيت، فإنه من أواخر قصيدة لامية للشنفرى، والواو فيه للعطف، والمعطوف عليه متقدم عليه بثلاثة وثلاثين بيتاً‏.‏

وينبغي أولاً أن نبين المعطوف قبل المعطوف عليه، فنقول‏:‏ إن ليلة مجرورة برب المحذوفة، وهي حرف زائد صناعةً عند الجمهور، لا يتعلق بشيء، وجوابها أول البيت بعدها، وهو‏:‏

دعست على غطش وبغش وصحبتي *** سعار وإرزيز ووجر وأفكل

فأيمت نسواناً وأيتمت إلدةً *** وعدت كما ابدأت والليل أليل

فدعست هو‏:‏ جواب رب‏.‏ قال الخطيب التبريزي في شرحه‏:‏ دعست‏:‏ دفعت دفعاً بإسراع وعجلة‏.‏

يقول‏:‏ سريت على هذه الحال، فليلة مجرورة لفظاً منصوبة محلاً على الظرفية لدعست، أي‏:‏ سريت ليالي كثيرة من مثل هذه الليلة‏.‏ ولا يجوز أن يكون مفعولاً به لدعست، لأنه فعل لازم‏.‏

وهذه الصورة خارجة عن قول ابن هشام في المغني إن مجرور رب في نحو‏:‏ رب رجل صالح عندي، رفع على الابتداء، وفي نحو‏:‏ رب رجل صالح لقيت، نصب على المفعولية، وفي نحو‏:‏ رب رجل صالح، لقيته رفع ونصب كما في‏:‏ هذا لقيته‏.‏ انتهى‏.‏

فليلة ظرف لدعست، وقدمت عليه لأنها جرت برب الواجبة التصدر‏.‏ فالمعطوف بالواو هو دعست لا ليلة، لما بينا‏.‏ وجملة‏:‏ دعست إحدى الجمل المعطوفات، والمعطوف عليه بعد عشرين بيتاً من أول القصيدة، وهو‏:‏

أديم مطال الجوع حتى أميته *** وأضرب عنه الذكر صفحاً فأذهل

وأديم هو المعطوف عليه عدة جمل من أحوال، افتخر بها الشاعر، ساقها مساق المباهاة بها والتمدح‏.‏

أولها‏:‏ افتخاره بصبره على الجوع، وهو خمسة أبيات‏.‏

ثانيها‏:‏ افتخاره بما يسد الرمق من القوت، وهو عشرة أبيات أولها‏:‏

وأغدو على القوت الزهيد

ثالثها‏:‏ افتخاره بسبقه القطا إلى المنهل، وأنها لا تشرب إلا سؤره، وهو ستة أبيات أولها‏:‏

وتشرب أسآري القطا

رابعها‏:‏ افتخاره بأنه إذا نام لا فراش له إلا الأرض، ولا وسادة له إلا ذراعه، مع استطراد شيء آخر، وهو تسعة أبيات أولها‏:‏

وآلف وجه الأرض عند افتراشها

خامسها‏:‏ افتخاره بأنه لا يجزع من فقر، ولا يبطر من غنى، وهو ثلاثة أبيات، وهي‏:‏

وأعدم أحياناً وأغنى وإنم *** ينال الغنى ذو البعدة المتبذل

فلا جزع من خلة متكشف *** ولا مرح تحت الغنى أتخيل

ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى *** سؤولاً بأعقاب الأقاويل أنمل

وليلة نحس يصطلي القوس ربها

فإن قلت‏:‏ لم عطفت على الأبعد، ولم تعطفه على الأقرب‏؟‏ قلت‏:‏ الأصل في المعطوفات، أن تعطف على الأول، ما لم يكن مانع، كأن يكون العاطف حرفاً مرتباً كالفاء وثم، وحينئذ يكون العطف على الأقرب‏.‏

فإن قلت‏:‏ إن جملة أديم استئنافية لا محل لها من الإعراب، فأي تشريك للعاطف بالعطف عليها، إذ التابع كل ثان أعرب بإعراب سابقة من جهة واحدة‏؟‏ قلت‏:‏ هذا فيما إذا كان للمعطوف عليه إعراب، وأما إذا لم يكن له إعراب، فهو ما قاله السيد في شرح المفتاح‏:‏ فائدة العطف بالواو فيما لا محل له من الإعراب هي التشريك، والجمع بين مضموني الجملتين في التحقق بحسب نفس الأمر‏.‏

فإن قلت‏:‏ اجتماعهما واشتراكهما في ذلك التحقق معلوم بدون الواو، لدلالة الجملتين على تحقق مضمونهما في الواقع، فيجتمعان فيه قطعاً‏.‏ قلت‏:‏ ما ذكرته إنما هو بدلالة عقلية، ربما لم تكن مقصودة، فبالعطف يتعين القصد إلى بيان الاجتماع، وتتقوى الدلالة العقلية بالوضعية، ويندفع أيضاً توهم الإضراب عن الجملة الأولى إلى الثانية‏.‏ انتهى‏.‏

وقال في الهامش أيضاً ما نصه‏:‏ يعني انك إذا قلت‏:‏ زيد قائم وعمرو قاعد فقد دل الجملتان على تحقق مدلوليهما في الواقع، فيفهم اجتماعهما فيه بلا حاجة إلى الواو‏.‏

فأجاب بأن هذه دلالة عقلية، يجوز أن تكون مقصودة وأن لا تكون، فإذا أتي بالواو، تعين القصد، وتأيدت الدلالة، فاندفع توهم الإضراب فيما يحتمله، فكأنه قيل‏:‏ اجتمع قيام زيد، وقعود عمرو في الواقع‏.‏

ومنهم من جعل دفع توهم الإضراب هو المقصود الأصلي من العطف في هذا الباب‏.‏ وليس بذاك‏.‏ فإذا قيل‏:‏ اكس زيداً وأطعمه، كان المعنى‏:‏ اجمع بينهما‏.‏ فتأمل‏.‏ انتهى‏.‏

وقد خلا المغني وشروحه من هذه الفائدة، ومحلها هي الجملة التابعة لجملة لا محل لها من الإعراب‏.‏

وجوز الزمخشري وغيره في شرح هذه القصيدة أن يكون جملة أديم خبر مبتدأ محذوف، أي‏:‏ أنا أديم وعليه فلا إشكال‏.‏

وقد شرحنا ثمانية أبيات من أول هذه القصيدة في الشاهد السادس والعشرين بعد المائتين وقد شرح أربعة أبيات أخر بعدها في الشاهد السادس والعشرين بعد السبعمائة‏.‏

وقد شرح البيت المعطوف عليه مع خمسة أبيات في الشاهد الخامس والعشرين بعد السبعمائة‏.‏

وبيت وتشرب أسآري القطا قد شرح مع خمسة أبيات في الشاهد السابع والخمسين بعد الخمسمائة‏.‏ ولنشرح هنا هذه الأبيات الستة، فنقول‏:‏ قوله‏:‏ وأعدم أحياناً‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، أعدم الرجل يعدم إعداماً، إذا افتقر، فهو معدم وعديم‏.‏ وأغنى من غني من المال غنىً، من باب رضي‏.‏

قال الزمخشري‏:‏ أعدم الرجل بالألف، إذا صار ذا عدم، كأجرب الرجل إذا صار ذا إبل جربى، وعدم متعد، وهذا عكس القاعدة‏.‏ وفيه نظر‏.‏

والبعدة، قال الزمخشري‏:‏ بضم الباء وكسرها‏:‏ اسم للبعد، يقال‏:‏ بيننا بعدة من الأرض والقرابة‏.‏ والمتبذل‏:‏ الذي لا يصون نفسه‏.‏

وقوله‏:‏ فلا جزع‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، هذا تفريع مما قبله، وجزع خبر مبتدأ، أي‏:‏ أنا جزع‏.‏ والخلة بفتح المعجمة‏:‏ اختلال الحال بالفقر‏.‏ والمتكشف‏:‏ الذي يظهر فقره‏.‏ والمرح، بكسر الراء‏:‏ الشديد الفرح‏.‏ والتخيل‏:‏ التكبر‏.‏ وتحت‏:‏ ظرف لمرح، ويجوز أن يكون لأتخيل‏.‏ وقوله‏:‏ ولا تزدهي الأجهال‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، الازدهاء‏:‏ الاستخفاف‏.‏ والأجهال‏:‏ جمع جهل، وهو قليل، والكثير جهول‏.‏ والحلم، بالكسر‏:‏ الأناة والوقار‏.‏ ولا أرى بالبناء للمفعول، من رؤية العين‏.‏ وسؤولاً‏:‏ حال، أي‏:‏ ذو سؤال، وجملة‏:‏ أنمل صفة لسؤول، والباء متعلقة بأنمل‏.‏ يقال‏:‏ أنمل الرجل إنمالاً، إذا نم ونقل الكلام على وجه الإفساد‏.‏ والنملة، بالضم‏:‏ النميمة‏.‏

وقوله‏:‏ وليلة نحس‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، النحس‏:‏ ضد السعد‏.‏ قال الخطيب التبريزي والزمخشري‏:‏ أراد به البرد‏.‏ وجملة‏:‏ يصطلي القوس ربها في موضع الصفة لليلة، وربها، أي‏:‏ صاحبها فاعل مؤخر‏.‏ والقوس منصوب بنزع الخافض، لأنه يقال اصطليت بالنار، فهو على حذف مضاف أيضاً، أي‏:‏ يصطلي بنار القوس‏.‏

والقوس مؤنث سماعي، ولذا أعاد ضميرها مؤنثاً‏.‏ والاصطلاء هو التدفؤ بالنار، وهو أن يجلس البردان قريباً منها لتصل حرارتها إليه‏.‏ وأقطعه بالنصب عطفاً على القوس، وهو جمع قطع بكسر القاف وسكون الطاء، وهو سهم يكون نصله قصيراً عريضاً‏.‏

ويتنبل‏:‏ يرمي بها‏.‏ وإذا اصطلى الأعرابي بقوسه وسهامه لشدة البرد فليس وراء ذلك في الشدة شيء‏.‏

وقوله‏:‏ دعست على غطش‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، الغطش، بفتح المعجمة وسكون المهملة هو الظلمة، من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأغطش ليلها ، أي‏:‏ أظلمه‏.‏

والبغش، بفتح الموحدة وسكون المعجمة‏:‏ المطر الخفيف‏.‏ وجملة‏:‏ وصحبتي سعار‏.‏‏.‏‏.‏إلخ حال من التاء في دعست‏.‏

والصحبة، بالضم‏:‏ مصدر صحبه يصحبه، وأراد به الصاحب‏.‏ والسعار بضم السين المهملة بعدها عين مهملة، وهو حر يجده الإنسان في جوفه من شدة الجوع والبرد‏.‏ والإرزيز، بكسر الهمزة وسكون المهملة، قال صاحب الصحاح‏:‏ هي الرعدة‏.‏

وقال التبريزي‏:‏ إرزيز إفعيل، يكون من شيئين من الارتزاز، أي‏:‏ الثبوت، يريد أن يجمد في مكانه من شدة البرد، ومن الرز، وهو صوت أحشائه من الشدة‏.‏

والوجر، بفتح وسكون الجيم بعدها راء مهملة، قال التبريزي‏:‏ هو الخوف، ومنه يقال‏:‏ أنا أوجر منه، أي‏:‏ أخوف منه‏.‏ ووجرت منه بالكسر، أي‏:‏ خفت‏.‏

والأفكل‏:‏ أفعل، قال صاحب الصحاح‏:‏ هي الرعدة، ولا يبنى منه فعل، يقال‏:‏ أخذه أفكل، إذا ارتعد من برد، وخوف، وهو منصرف، فإن سميت به رجلاً لم تصرفه في المعرفة للتعريف ووزن الفعل وصرفته في النكرة‏.‏ وعلى هذا فمعنى الإرزيز ما ذكره التبريزي‏.‏

قال الزمخشري‏:‏ وموضع ليلة نحس نصب بدعست، أي‏:‏ دعست في ليلة نحس‏.‏ ويجوز أن يكون دعست صفة لليلة والعائد محذوف، أي‏:‏ دعست فيها، ويكون جواب رب محذوفاً، وهو تعمدت، وقصدت‏.‏ وعلى غطش موضعه حال، أي‏:‏ داخلاً في ظلمة ومطر‏.‏

وقوله‏:‏ فأيمت نسواناً هو معطوف على دعست، أي‏:‏ جعلت النساء أيامى، جمع أيم كسيد، وهي التي لا زوج لها‏.‏ وأيتمت إلدة، أي‏:‏ جعلت الأولاد أيتاماً‏.‏ يريد أنه قتل أزواج النساء وآباء الأولاد‏.‏ إلدة، بكسر الهمزة أصله ولدة، جمع وليد، وهو الصبي‏.‏ قاله صاحب الصحاح‏.‏

قال التبريزي‏:‏ يقال‏:‏ ولدة وإلدة، إذا كانت الواو مكسورة قلبتها همزة مكسورة إن شئت، وكذلك إذا كانت الواو مضمومة قلبتها همزة مضمومة، كما قالوا في وجوه أجوه فهذا مطرد فيها‏.‏ انتهى‏.‏

وقال المعرب‏:‏ إبدال الواو المكسورة همزة قليل غير مطرد، بخلاف المضمومة‏.‏

وقوله‏:‏ وعدت كما أبدأت قال التبريزي‏:‏ أبدأت‏:‏ ابتدأت، يقال من أين أبدأ الركب، أي‏:‏ من أين ابتدأ وطلع‏.‏ وأليل‏:‏ ثابت الظلمة جداً مستحكم‏.‏ يقال‏:‏ نهار أنهر، وشهر أشهر، ودهر أدهر إذا كمل‏.‏ انتهى‏.‏

وقال صاحب الصحاح‏:‏ وليل أليل، أي‏:‏ شديد الظلمة‏.‏ قال المعرب‏:‏ الكاف في كما نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية، أي‏:‏ عدت عوداً كإبدائي‏.‏ وجملة‏:‏ والليل أليل حال من التاء في عدت‏.‏

والشنفرى‏:‏ شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته في الشاهد السادس والعشرين بعد المائتين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

أشارت كليب بالأكف الأصابع

على أن كليباً مجرور بإلى المحذوفة، وهو شاذ‏.‏

وهذا عجز وصدره‏:‏

إذا قيل أي الناس شر قبيلةً

وتقدم شرحه مفصلاً في الشاهد السادس بعد السبعمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

تبينن ها لعمر الله ذا قسماً

على أنه إذا جيء بها التنيبه بدلاً من حرف القسم، فلا بد من مجيء ذا بعد المقسم به، سواء كانت لفظة الجلالة مفردة مجرورة بالحرف المقدر، نحو‏:‏ لا ها الله ذا، وإي ها الله ذا، أي‏:‏ والله فيهما، وكانت مجرورة بإضافة لعمر إليها نحو‏:‏

تبينن ها لعمر الله ذا قسماً

قال سيبويه في باب ما يكون ما قبل المحلوف به عوضاً من اللفظ بالواو‏:‏ قولك‏:‏ إي ها الله ذا، تثبت ألف ها؛ لأن الذي بعدها مدغم، ومن العرب من يقول‏:‏ إي ها لله ذا، فيحذف الألف التي بعد الهاء، ولا يكون في المقسم به إلا الجر؛ لأن قولهم‏:‏ ها صار عوضاً من اللفظ بالواو، فحذفت تخفيفاً على اللسان‏.‏

ألا ترى أن الواو لا تظهر ها هنا كما تظهر في قولك‏:‏ والله‏.‏ فتركهم الواو البتة يدلك أنها ذهبت من هذا تخفيفاً على اللسان، وعوضت منها ها‏.‏ ولو كانت تذهب من هنا كما تذهب من قولهم‏:‏ الله لأفعلن، إذاً لأدخلت الواو‏.‏

وأما قولهم‏:‏ ذا فزعم الخليل أنه المحلوف عليه، كأنه قال‏:‏ إي والله للأمر هذا، فحذف الأمر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم، وقدم ها كما قدم قوم ها هو ذا، وها أنا ذا‏.‏ وهذا قول الخليل‏.‏

وقال زهير‏:‏

تعلمن ها لعمر الله ذا قسم *** فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك

ومن ذلك قولهم‏:‏ آلله لتفعلن، صارت الألف ها هنا بمنزلة ها ثم‏.‏ ألا ترى أنك لا تقول والله، كما لا يقولون‏:‏ ها والله، فصارت الألف ها هنا وها يعاقبان الواو، لا يثبتان جميعاً‏.‏

وقد تعاقب ألف اللام حرف القسم، كما عاقبته ألف الاستفهام وها، فتظهر في ذلك الموضع الذي يسقط في جميع ما هو مثله للمعاقبة، وذلك قولك‏:‏ أفأ لله لتفعلن‏.‏

ألا ترى لو قلت أفو الله، لم تثبت‏؟‏ وتقول‏:‏ نعم الله لتفعلن، وإي الله لتفعلن، لأنهما ليسا ببدل‏.‏ ألا ترى أنك تقول‏:‏ إي والله، نعم والله‏.‏

انتهى كلام سيبويه، وإنما نقلناه برمته لتعرف ما في كلام الشارح من الخلل‏.‏

قال الأعلم‏:‏ الشاهد فيه تقديم ها التي للتنبيه على ذا، وقد حال بينهما بقوله‏:‏ لعمر الله، والمعنى‏:‏ تعلمن لعمر الله هذا ما أقسم به‏.‏ ونصب قسماً على المصدر المؤكد ما قبله، لأن معناه أقسم، فكأنه قال‏:‏ أقسم لعمر الله قسماً‏.‏ ومعنى تعلمن اعلم، ولا يستعمل إلا في الأمر‏.‏

وقوله‏:‏ فاقصد بذرعك، أي‏:‏ اقصد في أمرك، ولا تتعد طورك‏.‏ ومعنى تنسلك‏:‏ تندخل‏.‏

يقول‏:‏ هذا للحارث بن ورقاء الصيداوي، وكان قد أغار على قومه، وأخذ إبلاً وعبداً، فتوعده بالهجاء إن لم يرد عليه ما أخذ منه‏.‏

وقد تقدم شرح هذا مفصلاً في الشاهد الثاني عشر بعد الأربعمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد التاسع بعد الثمانمائة

وهو من شواهد سيبويه‏:‏

فقلت يمين الله

هو قطعة من بيت، وهو‏:‏

فقلت يمين الله أبرح قاعد *** ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

على أن يمين الله روي مرفوعاً ومنصوباً بالوجهين‏.‏ أما الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف، أي‏:‏ لازمي ونحوه‏.‏

وأما النصب فعلى أن أصله أحلف بيمين الله، فلما حذف الباء، وصل فعل القسم، إليه بنفسه، ثم حذف فعل القسم وبقي منصوباً به‏.‏

وأجاز ابنا خروف وعصفور أن ينتصب بفعل مقدر يصل إليه بنفسه، تقديره ألزم نفسي يمين الله‏.‏ ورد بأن ألزم ليس بفعل قسم، وتضمين الفعل معنى القسم ليس بقياس‏.‏ وجوز النحاس خفضه أيضاً بالباء المحذوفة‏.‏

ولم يذكر ابن مالك في تسهيله في نحو هذا إلا النصب، قال‏:‏ وإن حذفا معاً نصب المقسم به‏.‏ يعني‏:‏ إن حذف فعل القسم، وحرف الجر نصب المقسم به‏.‏ وهو أعم من أن يكون المقسم به لفظ الجلالة وغيرها‏.‏

قال الأعلم‏:‏ النصب في مثل هذا على إضمار فعل، أكثر في كلامهم من الرفع على الابتداء‏.‏ وأنشده سيبويه بالرفع، وقال‏:‏ هكذا سمعناه من فصحاء العرب‏.‏ والبيت من قصيدة طويلة لامرئ القيس، مطلعها‏.‏

ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي

وقد شرحنا من أولها في الشاهد الثالث من أول الكتاب عشرين بيتاً إلى قوله‏:‏

سموت إليها بعد ما نام أهله *** سمو حباب الماء حالاً على حال

فقالت‏:‏

سباك الله إنك فاضحي *** ألست ترى السمار والناس أحوالي

فقلت يمين الله أبرح قاعد ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏البيت

والسمو‏:‏ العلو، وأراد به النهوض‏.‏ يقول‏:‏ جئت إليها ليلاً بعد ما نام أهلها‏.‏

والحباب، بالفتح‏:‏ النفاخات التي تعلو الماء، وقيل‏:‏ الطرائق التي في الماء كأنها الوشي‏.‏ وسباك‏:‏ أبعدك، وأذهبك إلى غربة‏.‏ وقيل‏:‏ لعنك الله‏.‏

وقال أبو حاتم‏:‏ معناه سلط الله عليك من يسبيك‏.‏ والسمار‏:‏ المتحدثون بالليل في ضوء القمر، جمع سامر‏.‏ وأحوالي‏:‏ في أطرافي‏.‏

وقوله‏:‏ أبرح قاعداً، أي‏:‏ لا أبرح قاعداً‏.‏ فلا محذوفة من جواب القسم باطراد، كما يأتي في الشرح‏.‏

وروي أيضاً‏:‏

فقلت يمين الله ما أنا بارح

فلا حذف‏.‏ وروي أيضاً‏:‏

فقلت لها تالله أبرح قاعداً

فلا شاهد فيه هنا، وإن كان فيه شاهد من جهة حذف لا‏.‏ وبه أورده ابن هشام في المغني وشرح الألفية‏.‏

وأبرح‏:‏ فعل ناقص، وقاعداً خبره‏.‏ والأوصال‏:‏ المفاصل، وقيل‏:‏ مجتمع العظام‏.‏ وجمع وصل بكسر الواو وضمها‏:‏ كل عظم لا ينكسر، ولا يختلط بغيره‏.‏ كذا في القاموس‏.‏

وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

كلا مركبيها تحت رجليك شاجر

أورده مثلاً لاستبعاد أن يكون همزة أيمن في الأصل مكسورة، ثم فتحت تخفيفاً، إذ هو مشكل، سواء قدرتها زائدة، أم أصلية فإن قدرتها زائدة لزم أن يكون وزن إيمن إفعلاً بكسر الهمزة وضم العين، وهذا الوزن غير موجود، لا في الأسماء، ولا في الأفعال‏.‏

وإن قدرتها أصلية، لزم أن يكون وزنه فعللاً بسكر الفاء وضم اللام الأولى، وهذا الوزن أيضاً غير موجود كذلك‏.‏ فهو مشكل على كل اعتبار، فلا يصح فرض كونها مكسورة في الأصل‏.‏

ويجب أن تكون همزة وصل أصلها السكون، كما هو أصل كل همزة وصل، فإذا احتيج إلى تحريكها، بأن يبتدأ بها في النطق، حركت بالكسر لدفع أصل التخلص من التقاء الساكنين‏.‏

وكذلك همزة أيمن، وضعت ابتداء ساكنة في الدرج، ولما ابتدئ بها، حركت بالكسر، ثم عرض لها كثرة الاستعمال، ففتحت تخفيفاً‏.‏

وهذا المصراع عجز، وصدره‏:‏

فأصبحت أنى تأتها تبتئس بها‏.‏

وهو من شعر للبيد، تقدم الكلام عليه في الشاهد الثالث عشر بعد الخمسمائة‏.‏ يقول‏:‏ من أي جانب أتيت هذه الناقة، وجدت كلا مركبيها شاجراً، دافعاً لك‏.‏

وتبتئس يصبك منها بؤس، أي‏:‏ كيفما ركبت منها التبس عليك الأمر‏.‏ وشاجر‏:‏ ملتبس‏.‏ ومركباها‏:‏ ناحيتاها اللتان ترام منهما‏.‏

يريد أنها شموس، إذا ركبها الراكب، رمته عن ظهرها‏.‏ يخاطب رجلاً بأنك ركبت أمراً لا خلاص لك منه، فأنت بمنزلة من ركب ناقة صعبة، لا يقدر على النزول عنها سالماً، لأن رجليه قد اشتبكا بركابيها، وكلا مركبيها لا يستقر عليه، إن ركب على مركبها المقدم، وهو الرحل وجده مركباً صعباً، وإن ركب على مركبها المؤخر، وهو الكفل، مال به، وصرعه‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد العاشر بعد الثمانمائة

بدينك هل ضممت إليك ليلى

على أن جواب قسم السؤال يكون استفهاماً‏.‏ فإن قوله‏:‏ هل ضممت‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، جواب القسم الذي هو قوله‏:‏ بدينك، وهو قسم سؤال، ويقال له‏:‏ القسم الاستعطافي، يستعطف به المخاطب‏.‏

وفي جعله هذا قسماً تابع لابن مالك‏.‏ قال أبو حيان‏:‏ لا نعلم أحداً ذهب إلى تسمية هذا قسماً إلا ابن مالك‏.‏ وفي يعض شروح الكتاب، وقد ذكر عمرتك وعمرك وقعدك وقعيدك ما نصه‏:‏ وزعم بعض النحويين أن هذه أقسام‏.‏ فابن مالك وافق من قال بذلك‏.‏ وأما أصحابنا فالجملة القسمية، لا تكون إلا خبرية عندهم‏.‏ انتهى‏.‏

ويؤيده أن ابن جني، قال‏:‏ القسم جملة إنشائية يؤكد بها جملة أخرى‏.‏ فإن كانت خبرية، فهو القسم لغير الاستعطاف، وإن كانت طلبية فهو الاستعطاف‏.‏ انتهى‏.‏

وأغرب ابن عصفور في قوله في شرح الجمل الصغير‏:‏ والقسم كل جملة أكد بها جملة أخرى، كلتاهما خبرية‏.‏

والصواب أن جملة القسم إنشائية، لا خبرية كما قال ابن جني وغيره‏.‏ واعتذر عنه بأن مراده أن الجملتين إذا اجتمعا، كان منهما كلام محتمل للصدق والكذب‏.‏

ثم قال ابن عصفور بعد تعريفه‏:‏ فإذا جاء ما صورته كصورة القسم وهو غير محتمل للصدق والكذب حمل على أنه ليس بقسم، نحو قول الشاعر‏:‏

بالله ربك إن دخلت فقل له *** هذا ابن هرمة واقفاً بالباب

وقول الآخر‏:‏

بدينك هل ضممت إليك ليلى *** وهل قبلت قبل الصبح فاها

قال‏:‏ فلا يكون مثل هذا قسماً، لأن القسم لا يتصور إلا حيث يتصور الصدق والحنث‏.‏

وقال في شرح الإيضاح‏:‏ وأما هذان البيتان فليسا بقسمين، لأن الجملتين غير محتملتين للصدق والكذب، وإنما المراد بهما استعطاف المخاطب، والتقدير‏:‏ أسألك بدينك، وأسألك بالله‏.‏

إلا أنهم أضمروا الفعل لدلالة المعنى عليه‏.‏ وقد يحذفون الباء وينصبون في الضرورة، نحو قوله‏:‏

أقول لبواب على باب داره *** أميرك بلغها السلام وأبشر

قال‏:‏ ويدلك على أن قولك‏:‏ بالله هل قام زيد، وبالله إن قام زيد فأكرمه، وأشباهه ليس بقسم، ثلاثة أشياء‏:‏ أحدها‏:‏ أنه لم يجيء في كلام العرب وقوع الحرف الخاص بالقسم نحو التاء والواو موقع الباء، فلم يقولوا‏:‏ تالله هل قام، ولا‏:‏ والله إن قام زيد فأكرمه‏.‏

ثانيها‏:‏ إنهم إذا أظهروا الفعل الذي يتعلق به الباء، لم يكن من أفعال القسم، لا يقال‏:‏ أقسم بالله هل قام زيد‏.‏

ثالثها‏:‏ أن القسم لا يخلو من حنث وبر، ولا يصح ذلك إلا فيما يصح اتصافه بالصدق والكذب‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ إن مثل هذا استعطاف وليس بقسم هو الظاهر، ولا شك أن كونه قسماً غير مذوق، لكن كلام ابن هشام ظاهره يعطي أنه سماه قسماً استعطافياً، وذلك أنه لما ذكر قول أبي علي القسم جملة يؤكد بها الخبر، قال‏:‏ ليس كل قسم يؤكد الخبر، وقد تقدم أن الباء يقسم بها على جهة الاستعطاف، نحو‏:‏ بالله أحسن إلي‏.‏

قال‏:‏ ومنه أقسمت عليك لتفعلن كذا، وأقسمت عليك إلا فعلت، وأقسمت عليك لما فعلت‏.‏

قال سيبويه‏:‏ وسألت الخليل عن قولهم‏:‏ أقسمت عليك لما فعلت، وإلا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما أقسمت هنا كقولك والله‏؟‏ فقال‏:‏ وجه الكلام لتفعلن، ولكنهم أجازوا هذا لأنهم شبههوه بنشدتك الله، إذ كان فيه معنى الطلب‏.‏

يريد أن العرب تقول‏:‏ نشدتك الله إلا فعلت، ومعناه سألتك بالله، وقالوا‏:‏ إلا فعلت بمعنى إلا أن تفعل، وتحقيق المعنى‏:‏ لا أطلب منك إلا أن تفعل، فدخلها معنى النفي، فصلحت إلا لذلك‏.‏

وتقول في الاستفهام‏:‏ آلله لتقومن‏.‏ قال‏:‏ فكل هذا ليس بتأكيد، ولذلك تستفهم بعد اليمين فتقول‏:‏ بالله أقام زيد‏؟‏ لأن المعنى هنا أخبرني‏.‏

قال‏:‏ وقد منع من هذا أبو علي، فقال‏:‏ لا يجوز في القسم الذي هو استعطاف في الحقيقة‏:‏ تالله هل قمت، لأنه ليس بمقسم‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

ومقتضاه إن القسم قسمان قسم يقصد به توكيد، وقسم يقصد به الاستعطاف والسؤال‏.‏ وفي تسمية ما يقصد به الاستعطاف قسماً نظر، وكيف يتصور قسم دون جواب لا ملفوظ به ولا مقدر‏.‏

ولهذا سأل سيبويه بأن أقسمت يقتضي جواباً، ولما فعلت ليس بجواب، فكيف جاز‏؟‏ وأجابه الخليل بأنهم شبهوه بنشدتك الله، إذ كان فيه معنى الطلب‏.‏ فأفاد أن القسم ليس بمراد في المشبه، كما أن ذلك غير مراد في المشبه به‏.‏

فما ذكره ابن عصفور أقرب، وهو كلام أبي علي، كما ظهر من نقل ابن هشام‏.‏

واعلم أنه يقال‏:‏ نشدتك بالله، ونشدتك الله على نزع الخافض والنصب، ومعناه سألتك بالله، وطلبت منك به، لأنهم يقولون‏:‏ نشد الرجل الدابة إذا طلبها، فهو فعل لازم‏.‏

وقال ابن مالك في شرح التسهيل‏:‏ معنى قول القائل نشدتك الله‏:‏ سألتك مذكراً الله‏.‏ ومعنى عمرتك الله‏:‏ سألت الله تعميرك، ثم ضمنا معنى القسم الطلبي‏.‏

قال أبو حيان في شرحه‏:‏ إن عنى المصنف أنه تفسير معنى، لا إعراب فممكن، وإن عنى أنه تفسير إعراب، فليس كذلك، بل نشدتك الله انتصاب الجلالة فيه على إسقاط الخافض، فنصبه ليس بمذكر‏.‏

وأما عمرتك الله فلفظ الجلالة فيه منصوب بإسقاط الخافض أيضاً، والتقدير‏:‏ عمرتك بالله، أي‏:‏ ذكرتك تذكيراً يعمر القلب، ولا يخلو منه‏.‏ انتهى‏.‏

ولا يخفى أنه أراد تفسيرهما لغة قبل أن يضمنا ما ذكره‏.‏ وقوله‏:‏ ثم ضمنا، يدفع أن يكون أراد تفسير الإعراب‏.‏

وعمرتك الله بتشديد الميم‏.‏ واستعملوا عمرك الله بدلاً من اللفظ بعمرتك الله‏.‏ قال الشاعر‏:‏

عمرك الله يا سعاد عديني *** بعض ما أبتغي ولا تؤيسيني

وقال آخر‏:‏

يا عمرك الله ألا قلت صادقةً *** أصادقاً وصف المجنون أم كذبا

وقال الأخفش في كتابه الأوسط‏:‏ أصله أسألك بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء، فانتصب ما كان مجروراً بها‏.‏ قالوا‏:‏ ويدل على صحة قول الأخفش إدخال باء الجر عليه‏.‏

قال ابن أبي ربيعة‏:‏

بعمرك هل رأيت لها سمي *** فشاقك أم لقيت لها خدينا

قال ناظر الجيش‏:‏ ويدل له أيضاً قولهم‏:‏ لعمرك إن زيداً قائم، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون التقدير‏:‏ لعمرك قسمي، فكان العمر نفسه هو المقسم به، فليكن هو المقسم به في نحو عمرك الله، ويكون الأصل‏:‏ بتعميرك الله‏.‏

ويمكن أن يقال إن من نصب عمرك الله على المصدر، وقال‏:‏ عمرك الله تعميراً، لم يجعله قسماً، وإنما يكون قسماً على قول الأخفش، وهو قسم طلبي على رأي من لا يثبته، ومسؤول به على رأي من لا يثبته‏.‏

وأجاز المبرد والسيرافي أن ينتصب على تقدير القسم، كأنه قيل‏:‏ أقسم عليك بعمرك الله، والأصل بتعميرك الله، أي‏:‏ بإقرارك له بالدوام والبقاء، ويكون محذوف الجواب، فتكون الكاف في موضع رفع‏.‏ والظاهر من كلام سيبويه أنه مصدر موضوع موضع الفعل على أنه مفعول به‏.‏

قال أبو حيان‏:‏ والاسم المعظم في عمرك الله ينصب ويرفع‏.‏ أما النصب فقد قال صاحب اللباب في إعرابه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أن التقدير‏:‏ أسألك تعميرك الله، أي‏:‏ باعتقادك بقاء الله، فتعميرك مفعول ثان، واسم الله منصوب بالمصدر‏.‏

والثاني‏:‏ أن يكونا مفعولين، أي‏:‏ أسأل الله تعميرك‏.‏

وأما الرفع فقد ذكر ابن مالك عن أبي علي أن المراد عمرك الله تعميراً، فأضيف المصدر إلى المفعول، ورفع به الفاعل‏.‏

وكذا تقدم عن الأخفش، فقد اتفق قولاهما على أن اسم الله تعالى مرفوع بالمصدر على الفاعلية، ولكن أبو علي يرى أن نصب عمرك على المصدر، والأخفش يرى أنه منصوب على نزع الخافض، ولهذا كان الفعل الذي يقدره أبو علي‏:‏ عمرتك، والفعل الذي يقدره الأخفش‏:‏ أسألك‏.‏

وأما قعدك الله بكسر القاف وفتحها، ويقال‏:‏ قعيدك الله أيضاً، فهما منصوبان بتقدير‏:‏ أقسم، بعد إسقاط الباء، وهما مصدران بمعنى المراقبة كالحس والحسيس، وقيل وصفان كخل وخليل، بمعنى الرقيب الحفيظ، فالمعني بهما هو الله تعالى، والله بدل منهما، وعلى الأول منصوب بهما‏.‏ وهو الجيد إذ لم يسمع أنهما من أسماء الله تعالى‏.‏

وبقي على الشارح المحقق، ذكر عزمت، وأقسمت؛ فإنهما يستعملان في قسم الطلب‏.‏ وأما استعمال لعمرك فقي قسم السؤال، فلم أره‏.‏

وقوله‏:‏

بدينك هل ضممت إليك ليلى‏.‏

هذه الباء عند من لم يثبت قسم السؤال اسمها باء الطلب، ويجوز ذكر متعلقها كنشدتك بالله، وأسألك بالله‏.‏ وحذفه أكثر، ومنه هذا البيت‏.‏

قال ابن مالك في التسهيل‏:‏ ويضمر الفعل في الطلب كثيراً، استغناء بالمقسم به مجروراً بالياء، ويختص الطلب بها‏.‏ انتهى‏.‏

ولو كانت للقسم لجاز أن يقال‏:‏ أحلف بالله قم ونحوه‏.‏ وقد تحذف الباء مع المتعلق في الشعر كما تقدم‏.‏ وضممت إليك، أي‏:‏ عانقتها وحضنتها‏.‏ وقوله‏:‏

قبيل الصبح أوقبلت فاها روي بدله‏:‏

وهل قبلت بعد النوم فاها‏.‏

يريد‏:‏ هل قبلته وشممت طيب رائحته، في وقت تغير الأفواه‏.‏ وخص ما بعد النوم لأن الأفواه تتغير حينئذ‏.‏ والمراد تحقيق طيب نكهتها‏.‏

وبعده‏:‏

وهل مالت عليك ذؤابتاه *** كمثل الأقحوان على نداها

وروي بدله‏:‏

وهل رفت عليك قرون ليلى *** رفيف الأقحوان على نداها‏.‏

رفت، بفتح الراء المهملة، من رف لونه يرف بالكسر رفيقاً ورفاً، إذا برق وتلألأ‏.‏ أراد شدة سواد شعرها‏.‏ والرفيف يوصف به خضرة النبات والأشجار‏.‏

قال الشاعر‏:‏

في ظل أحوى الظل رفاف الورق

وصحفه ابن الملا في شرح المغني يجعل المهملة معجمة، فقال‏:‏ الزفيف إهداء العروس إلى بعلها‏.‏

وغفل عن قوله‏:‏ رفيف الأقحوانة، وهي البابونج‏.‏ وقيدها بكونها في نداها، لأنها لا أعطر منها في تلك الحالة‏.‏ والقرون‏:‏ الذوائب، جمع قرن بفتح القاف وسكون الراء‏.‏

والبيتان أوردهما الأصفهاني في الأغاني ونسبهما إلى المجنون بن الملوح من بني عامر، وقال‏:‏ مر المجنون ذات يوم بزوج ليلى، وهو جالس يصطلي في يوم شات، وقد أتى ابن عم له في حي المجنون لحاجة، فوقف عليه ثم أنشأ يقول‏:‏

بربك هل ضممت إليك ليلى *** قبيل الصبح وقبلت فاها

وهل رفت عليك قرون ليلى *** رفيف الأقحوانة في نداها

فقال‏:‏ اللهم إذ حلفتني، فنعم‏.‏ قال‏:‏ فقبض المجنون بكلتا يديه من الجمر قبضتين، فما فارقهما حتى سقط مغشياً عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه فقام زوج ليلى مغموماً بفعله متعجباً منه‏.‏ انتهى‏.‏

وزاد ابن جني في شرح تصريف المازني بيتاً بعدهما، وهو‏:‏

كأن قرنفلاً وسحيق مسك *** وصوب الغاديات شملن فاها

وتقدمت ترجمة مجنون بني عامر في الشاهد التسعين بعد المائتين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

قعيدك أن لا تسمعيني ملامةً

هو صدر، وعجزه‏:‏

ولاتنكئي قرح الفؤاد فييجعا

على أن أن فيه زائدة، والجواب إنما هو النهي‏.‏ وهذا جواب سؤال مقدر، وتقديره‏:‏ أنك ذكرت أن جواب قسم السؤال أن يكون أمر ونهي واستفهام ومصدراً بإل ولما، وهذا ليس أحد تلك الخمسة‏.‏

فأجاب بأن أن زائدة، والجواب هو النهي‏.‏ وهذا وإن أمكن هنا فلا يتأتى في نحو‏:‏ نشدتك بالله أن تقوم‏.‏

وقد اعتبره غيره، قال أبو حيان في شرح التسهيل‏:‏ إن الجواب يكون بأحد ستة أشياء، وهي الاستفهام، والأمر، والنهي، وإلا، ولما، وأن‏.‏ ومثل له بما ذكرنا‏.‏ ولم يذكرا تصدر الجواب بإن الشرطية نحو‏:‏

بالله ربك إن دخلت فقل له البيت

والظاهر أن إن إذا حلت هذا المحل، يجب أن يكون جوابها فعلاً طلبياً، كما في البيت، لأن الطلب هو المقصود من هذا الكلام، وجملة الشرط ليس فيها طلب، فتعين أن يشتمل جملة الجزاء عليه‏.‏

وليس المراد بالطلب هنا أن يكون بصيغته، بل المراد به أن يكون الجواب مطلوباً للمتكلم، سواء كان الطلب بالصيغة، أم بغيرها مما يفيده سياق الكلام، ولذلك جعلوا من صور المسألة نشدتك إلا فعلت ولما فعلت، وقالوا‏:‏ المعنى فيه‏:‏ ما أسألك إلا أن تفعل، وما أطلب منك إلا أن تفعل‏.‏

وزاد الشارح المحقق على أبي حيان وقوع اللام في الجواب، نحو‏:‏ بالله لتفعلن‏.‏ وقد أورده الشارح هنا مكرراً مرتين مع قرب ما بينهما‏.‏

والبيت من قصيدة متمم بن نويرة الصحابي، رثى بها أخاه مالك بن نويرة‏.‏ وقد تقدم الكلام عليه، وعلى عمرتك وعمرك وقعدك وأمثالها، في المفعول المطلق في الشاهد الخامس والثمانين وما بعده‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الحادي عشر بعد الثمانمائة

لأورث بعدي سنة يقتدى به *** وأجلو عمى ذي شبهة إن توهما

على أن اللام فيه لام الابتداء، دخلت على المضارع للتوكيد، وليست في جواب قسم‏.‏

قال ابن هشام في المغني‏:‏ اختلف في هذه اللام الداخلة على المضارع، فأجازه ابن مالك والمالقي وغيرهما‏.‏ زاد المالقي الماضي الجامد، نحو‏:‏ لبئس ما كانوا يعملون‏.‏

وبعضهم المتصرف المقرون بقد، نحو‏:‏ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ، لقد كان في يوسف وإخوته آيات والمشهور أن هذه لام القسم‏.‏

وقال أبو حيان في‏:‏ ولقد علمتم‏:‏ هي لام الابتداء، مفيدة لمعنى التأكيد، ويجوز أن يكون قبلها قسم مقدر، وأن لا يكون‏.‏ انتهى‏.‏

ونص جماعة على منع ذلك كله‏.‏ قال ابن الخباز في شرح الإيضاح‏:‏ لا تدخل لام الابتداء على الجمل الفعلية إلا في باب إن‏.‏ انتهى‏.‏

وهو مقتضى كلام ابن الحاجب، وهو أيضاً قول الزمخشري، قال في تفسير‏:‏ ولسوف يعطيك ربك‏:‏ لام الابتداء لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر‏.‏

وقال في لأقسم‏:‏ هي لام الابتداء دخلت على مبتدأ محذوف، ولم يقدرها لام القسم، لأنها عنده ملازمة للنون‏.‏ وكذا زعم في‏:‏ ولسوف يعطيك ربك ‏.‏

وقال ابن الحاجب‏:‏ اللام في ذلك لام التوكيد، وأما قول بعضهم إنها لام الابتداء، وإن المبتدأ مقدر بعدها، ففاسد من جهات‏:‏ إحداها‏:‏ أن اللام مع الابتداء كقد مع الفعل، وإن مع الاسم، فكما لا يحذف الفعل والاسم ويبقيان بعد حذفهما، كذلك اللام بعد حذف الاسم‏.‏

والثانية‏:‏ أنه قدر المبتدأ في نحو‏:‏ لسوف يقوم زيد، يصير التقدير‏:‏ لزيد سوف يقوم‏.‏ ولا يخفى ما فيه من الضعف‏.‏

والثالثة‏:‏ أنه يلزم إضمار لا يحتاج إليه الكلام‏.‏ انتهى‏.‏

وقول الشاعر‏:‏ لأورث مضارع مبني للفاعل، وهو ضمير المتكلم متعهد إلى مفعولين، تقول‏:‏ ورث زيد المال، فتعديه بالهمزة إلى اثنين، وتقول أورثته المال، أي‏:‏ أكسبته إياه، والمفعول الأول هنا محذوف، والتقدير‏:‏ لأورث الناس، وسنة المفعول الثاني‏.‏

والسنة‏:‏ السيرة حميدةً كانت، وذميمة، وهي الطريقة‏.‏ وجملة‏:‏ يقتدى بها بالبناء للمفعول صفة لسنة‏.‏

وأجلو معطوف على أورث، من جلوت السيف ونحوه، إذا كشفت صدأه جلاء بالكسلا والمد‏.‏

والعمى هنا‏:‏ عمى القلب، مستعار للضلالة، والعلاقة عدم الاهتداء‏.‏ والشبهة‏:‏ الظن المشتبه بالعلم، ذكره أبو البقاء‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الشبهة‏:‏ مشابهة الحق للباطل، والباطل للحق من وجه، إذا حقق النظر فيه ذهب‏.‏

وأن توهم الألف للإطلاق، ويجوز في أن الكسر والفتح، وفاعل توهم ضمير ذي شبهة، ومفعوله محذوف للتعميم‏.‏ والتوهم‏:‏ الخطأ في درك الشيء‏.‏ ويقال‏:‏ توهمت، أي‏:‏ ظننت‏.‏

وهذا البيت للمتلمس، وهو شاهر جاهلي تقدمت ترجمته في الشاهد التاسع والستين بعد الأربعمائة‏.‏

والبيت من قصيدة عدتها تسعة عشر بيتاً، أولها‏:‏

يعيرني أمي رجال ولا أرى *** أخا كرم إلا بأن يتكرما

ومن كان ذا عرض كريم فلم يصن *** له حسباً كان اللئيم المذمما

أحارث لو أنا تساط دماؤن *** تزيلن حتى ما يمس دم دما

أمنتفلاً من آل بهثة خلتني *** ألا إنني منهم وإن كنت أينما

ألا إنني منهم وعرضي عرضهم *** كذي الأنف يحمي أنفه أن يهشما

ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي *** جعلت لهم فوق العرانين ميسما

وهل لي أم غيرها إن تركته *** أبى الله إلا أن أكون لها ابنما

وما كنت إلا مثل قاطع كفه *** بكف له أخرى فأصبح أجذما

فلما استقاد الكف بالكف لم يجد *** له دركاً في أن تبينا فأحجما

يداه أصابت هذه حتف هذه *** فلم تجد الأخرى عليه مقدما

فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى *** مساغاً لنابيه الشجاع لصمما

وقد كنت ترجو أن أكون لعقبكم *** زنيماً فما أجررت أن أتكلما

لأورث بعدي سنة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

قال جامع ديوانه أبو الحسن الأثرم‏:‏ قال أبو عبيدة‏:‏ كان سبب هذه القصيدة أن المتلمس كان في أخواله بني يشكر، يقال‏:‏ إنه ولد فمكث فيهم، حتى كادوا يغلبون على نسبه، فسأل عمرو بن هند ملك الحيرة يوماً الحارث بن التوأم اليشكري عن نسب المتلمس، فقال‏:‏ يزعم أنه من بني ضبيعة أضجم‏.‏ فقال عمرو‏:‏ ما هو إلا كالساقط بين الفراشين‏.‏ فبلغ ذلك المتلمس فقال هذه القصيدة‏.‏

والمتلمس اسمه جرير بن عبد المسيح، أخو بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار‏.‏

وقوله‏:‏ أحارث منادى‏.‏ وتساط‏:‏ تخلط‏.‏ وتزيلن‏:‏ افترقن‏.‏ والمنتفل والمنتفي والمتبري سواء‏.‏

وبهثة هو ابن حرب بن وهب بن جلي بن أحمس ابن ضبيعة بن ربيعة بن نزار‏.‏ وإن كنت أينما، أي‏:‏ حيث ما كنت‏.‏

وقوله‏:‏ جعلت لهم فوق العرانين، يقول‏:‏ هجوتهم هجاءً يلزمهم لزوم الميسم للأنف‏.‏ والأجذم‏:‏ المقطوع إحدى يديه، يقول‏:‏ لو هجوت قومي كنت كمن قطع بيده يده الأخرى‏.‏ والزنيم‏:‏ الملصق بالقوم وليس منهم‏.‏ والإجرار‏:‏ أن يشق لسان الفصيل لئلا يرضع أمه‏.‏ انتهى‏.‏

وبقي أبيات من أبيات القصيدة لا حاجة لنا بها‏.‏

وأنشد بعده‏:‏